عصفور تربى و ترعرع ، بين أهواء الغابة، كان محاطا بشتى أنواع الرعاية و الحنان، و لمّا أراد بسط جناحيه في الهواء تكسّرت و قُدِّر له أن لا يطير أبدا.
تلهفّت أمّه تبحث في خفايا الدهر على أن تجد وسيلة لكي تُنجِد فلذة كبِدِها تشوق إلى المستقبل الذي أصبح سوادا بل سرابا في عينيها كان عليها أن لا تتركه يواجه الطبيعة لوحده، لو...و لو....و لو و لكن بعد ماذا بعد أن أصبح طفلها طعما للذئاب المفترسة. هوّني من روعك أيتها الأم فإنك لست أنت أول من أصابها الدهر بنكباته فلقد كنت أنا كذلك. نعم لقد كنت طعما لهذا الدهر الجائر الذي يزال يهشش في عظامي.
لست أدري هل أن سعادتي مع سفينتي سوف تدوم وسط زوبعة من الأكاذيب التي صورها لي الزمان و جعلني أعيش وسطها، مر على لقائنا أشهر بل سنين طوال، و لكن ذات يوم استيقظت على مواء قطتي فلم أجدها، تركتني و مضت إلى حيث لا أدري، سألت عنه الأمواج ، قالت إنها إتخدت مسلك الشمال و صمتت، كأن شيء خفي يمنعها من الكلام، أي مسلك هذا الذي تكلمنني عنه أيتها الأمواج و لكن سؤالي يبقى جوابه مبهما
إنها ليلة مقمرة و لكم طاب لي الجلوس على الشاطئ أحسست بنوع من التعب تمددت على ظهري، جعلت الرمال وسادة و الأمواج غطاء نمت، نوما عميقا حتى خيل لي أنني فارقت الحياة و في هذه الآونة تحول الجو و هبت عاصفة هوجاء أخذتني بين طياتها نحو البحر كلما حاولت التخلص و الإفلات من قيودها إلا و زاد تمسكها بي خفت أشد الخوف حتى أحسست أنها النهاية قد أتت و لكن بعد مصارعة دامية استطاعت أن تقدفني إلى الأعماق أشياء مشوشة و غامضة يحتوي عليها قاع البحر.
أبصرت شيء ضخما تآكلت جوانبه بسبب المياه خُيِّل لي أنني أعرفه و في الأخير و بعد طوال السفر و عناء المشوار إهتديت إليه، تلعثم لساني لأنني كنت ناوية أن أصرخ لكي أخبر العالم بأنني وجدت ذلك الشيء الذي طالما تشوقت لرؤيته و لكن سرعان ما تبدد فرحي حزن تأسفت على مصيرها و الموقف الذي آلت إليه سفينتي التي تركتني و تخلت عني أصبحت أطلالا تتحصر القلوب لرؤيتها و تبكي العيون دما لما آلت إليه ووددت لو لم أتطلع على أمرها و حقيقتها لأنها كانت أجمل صورة في مخيلتي، هرعت لأجمع بقاياها و خرقت الموج و بين يدابا حطامها و لكن هذه المرة كان البحر أشد رفقا مما كان عليه من قبل قدتها إلى الشاطئ عرضتها على رجل يجيد صنع السفن أملا في أن ينقد ما تبقى من حياتها.
مرت أيام على سفينتي و هي في الورشة و ذات يوم و بينما كان الهدوء يخيِّم على مضجعي إذا برنين الهاتف يضرب، تركت قلم كتابتي و كراريسي و هرعت إليه رفعت السماعة و إذا بصوت ليس بغريب.
شهرزاد: ألو..... من على الخط
الصانع: صباح الخير يا سيدتي هل هذا منزل السيدة شهرزاد
شهرزاد : نعم يا سيدي.....ماذا تريد
الصانع: قد أنهيت صنع سفينتك التي أحضرتها لي منذ أسابيع لقد تمّ إصلاحها.
تركت السماعة من يدي و في هذه اللحظة أحسست أنني أسعد إنسانة في الوجود لأنه اليوم الذي عادت فيه مياه قلقي إلى مجراها الطبيعي، أسرعت إلى غرفتي ارتديت ثيابي و في فترة قصيرة وصلت إلى الورشة وقفت محرك السيارة فدخلت و لم أستطع تصديق ما تراه عيناي دموع تنهمر على خدّاي سعادة عمّت جسدي إنها هي التي بحثت عنّا طوال السنين الغابرة و هكذا جمعنا القدر مرة ثانية. أقبلت مسرعة لكي آخدها في أحضاني نظرات كلها طموح و أمل و لكن رغم ما فعلت معها فإنها تجاهلت وجودي، إستفسرت عن حالها قال لي الصانع إنها فقدت بصرها و هذا بسبب طول ركودها تحت المياه تلاشت الأفراح و كأن الأحزان عقدت معادة مع نفسي و لكنني استطعت أن أتغلب عليها هذه المرة لأن سفينتي معي.
أيها الزمان الذي جعلتني طعما لك بدون مقابل سوف آتي مرة أخرى و بين يداي رضيعا يكون قائدا مغوارا يمضي بي أنا و سفينتي نحو الشمال وإذا كانت اليهود قد لعبت دورها في التخريب و الدمار فإن تطلع الرضيع أشد و أكبر من ذلك بكثير و لنيل الحرية فلنصبر معا يا فلسطين و لا نترك قطرات الندى تتسرب مرة أخرى إلى منازلنا لأنها إذا ما فعلت فإنها ستتلف الأثاث.
شهرزاد









