أحلى الكلام
يمكن للقراء أن ينشروا شعرهم و خواطرهم بكل حرية بارسالها الى sarah2@maktoub.com
معها

ـكيف لا؟ و قد كنت، البارحة فقط ، أنت من طلب اللقاء

ـ و رفضت.

ـ أكنت تتوقع الرفض، و لهذا السبب عرضت علي الأمر؟

ـ كنت أعتقد دلك بنسبة حتى لا أكذبك، أما الأمل فلا تنخدعي فيه، كان ويبقى لقاؤك.

ـ ولكنني لم أرفض طلبك البارحة، بل كل ما قلته، هو أنه ليس هنالك مستحيل

 

ـ و معناها، لا.

ـ و لمادا لا، اليوم؟

ـ ليس لا و إنما لا أرغب في لقائك بهده الطريقة

ـ أي طريقة تقصد؟

عند ما عرضت عليك من يوم فقط، لم تترددي و مانعت، أما الآن فكأنما هنالك من نصحك بهذا اللقاء، أتفهمين؟

كعادتها لم تفهم نجوى و حاولت بكل ما استطاعت من حكمة أن تجر علي إلى تفسير ألغازه، فسألته

 

عن معنى كلامه حين توسلها أن لا تكرهه مهما كان و بدر منه.

ـ مدا كنت تقصد بكلامك؟

ـ قلت فيما سبق، و أرحتني بتفهمك وضعي ووضعك وأشرت علي بأن أفعل ما أراه مناسبا لي، أليس كدلك؟

ـ ومادا رأيت؟

ـ رأيت بأنك تزدادين حبا لي كلما تكلمنا، و لا يمكن لي أن أرضى لك هذا، فقد عرفته و قاسيت منه و منك أعواما و فهمته شديد البأس، صعبا و يلزمك الكثير من الصبر و التجلد، أو يلزمني تفهم وضعك و مواساتك

ـ أتريد القول بأنك لا تريد الإتصال بي ثانية؟

ـ أجل، و لنني لن أستطيع، تأكدي!.. فقط سوف أخفف من اتصالنا فنبقى بدلك مشتاقين و سعيدين بذكرانا

ـ و لكن لم تقل هذا، البارحة، بهذ ا الوضوح!؟

ـ خفت عليك المفاجأة، فارتأيت الغموض لتفهمي قصدي بعد استشارة نصحتك بلقائي، كما رأيت

ـ ما أغربك من كائن عرفته!

ـ تأكدي نجوى بأنني أبسط مما تتصوري بكثير و لست سوى محبا لك و جاد فلا أرغب في كرهك لي و لا في سوئ فهمك، أنا ما أحببت الاك، وأظنك الآن متأكدة من دلك و خوفي إن جاء هده المرة فهو عليك من غدر الزمن و علي، اتهامك لي بالتلاعب و محاولة الثأر

ـ لم أكتشفك عاديا، فلا تتظاهر بالتواضع و قد سلبت قلبي في وقت قصير جدا، ما كان يخطر ببالي أبدا وما استطعت فهمه

ـ صاغ كلامي عناء السنين، نجوى، فلا تخطئي! صبرت منك ما صبرت و عانيت ما لا تعلمين، و لا أراني قادر على هده المفاجأة

ـ أحببتك، و الله، يا علي. و لا أدري كيف أعبر لك عن ما أحس به نحوك، فأنت أغلى عندي من كل شيء لي في هده الدنيا، الآن. و يا ليتني كنت أستطيع رد الزمن إلى عهد لقائنا الأول، فأسمعك كما لم يكن مني حينها.

ـ شكرا لك على هذا الإحساس نجوى، هذا قدر و قد جاءت منك العبارة ألا تذكرين؟ الله أراد لنا هذا و يعلم ما يخبئ لنا، فلا تقنطي و لتقرئي سورة يوسف كثيرا عساك تستخلصي من عبرها ما ينير من طريقك و يهديك هداية صحيحة.

ـ أتعلم يا علي بما فكرت حين سمعت منك ما سمعت و قرأت لك ما قرأت و عرفت عنك؟ أول الأمر استغربت و حرت لطول بالك، و هذا لأن كل ما عرفتهم لم يكونوا ليبقوا على هذا الإصرار

ـ و الحب،  فيم فكرت؟

ـ ألا تراها محيرتا حكايتك، .. و حكايتي؟

ـ لا أراها كدلك بقدر ما أراها متعبتا، و عرفت من الناس من قاسى و أشفقت عليه فأنا من الناس و لست بحالة خاصة

ـ بل هي خاصة برأيي، و غريبة إلى حد أنها تشيب الشعر، و تقتل

أرى بأن تكتب عنها، ما رأيك؟ فأنت أثبتت معي إجادتك التعبير و أشعرت في مدحي، و أدهشتني أعترف لك و أرجوك

ت والله لو كان هذا رأيك، فاختاري لها العنوان!

ـ سأفكر فيه على أن تدمجني معك و تحكي ما عانيت مثلك أو أقل بقليل

ـ و لكنني لا أعلم الكثير عن ماضيك؟

ـ سأرويه لك

ـ و سأستمتع بسماعه، و أحرره كيف ما رغبت و أحسن

ـ بل الصدق، أتريده مند ولادتي؟

ـ إن كان بالإمكان و أردت              ـ نعم أريد.

 

الحب قالوا عنه ما قالوا و عرفوه في كثير من الأحوال ووصفوه بتزاوج مرارة العذاب و حلو العذاب، فما تمكن لفحل أن يلم به أو يأكد حقيقته فيقربوه إلى الخير و ما لهم في دلك سوى الاستشهاد بسعادة الهنيئين و فرحهما ببعضهما حين اللقاء، أين يقعان في فخ الخيال ذا النشوة الخاصة و التي لا يعرفها سواهما فيمتد بهما دلك الحال إلى أن يعتقدا كل الناس في هنائهما و لا يعقل غيرها حالة، فتراهما يتسابقان مع الظل و يمرحان كسكارى ناكهين لا همهما سوى تلك اللحظة السعيدة و القصيرة برأيهما مهما طالت. و الحكم مسبق،..إيه نعم و أكيد.

هنالك من الحب ما يقتل و هنالك ما يجن و أيضا ما يربي

الأكيد في الحب حقيقة واحدة، هو أنه غريب و ليس هنالك منه اثنان، فمت عنتر كقيس و لا علي كغيره

لم يعرف علي في صغره أمور كثيرة و أولها هذا الذي لا يستأذن القلوب فيفرض حكمه كيف يشاء. أهو حقا موجود؟ و هل هو بهذا القدر الذي عرفه به الناس؟ كل الناس.

أسئلة من بين كثير كانت تملأ فكره الصغير، و كانت تجعله يعتزل كما لو أنه كان يبحث في سر من أسرار هذا الكون، بل كما لو كان الأمر ملقى على عاتقه مع كل سرية و تكتم، فلا ينبغي له الجهر و من طبيعته هكذا هو لا يستشير إنما يستنتج و إن طال عليه الأمر. كان مند ولادته، حيث دخل المستشفى في شهره الأول و عزل عن والدته برغم حاجته الطبيعية إليها و بقى مدة ليخرج مرتاحا مدة قصيرة، جعلت عائلته و كل الجيران يلتفوا من حوله مسرورين به و محبين له و لنوع الطفل الذي كان مما جمع من حسن خلق و خلق رباني وبريء.

المعروف عليه في دلك العمر و على خلاف أصدقائه و سائر من كان في عمره، هو الكتمان و الصمت الشديدين فلا يتكلم إلا بقدر الحاجة في طلب الشيء أو الاستفسار البسيط حينها. فما لبث إلا قليلا و عاد فوقع مريضا و بشدة هده المرة حتى ظنه الطبيب ميتا و بعون الله استطاع العودة و خرج من المستشفى و لو غير الشخص الذي كان من حيث البنية الجسدية، اد نحل إلى درجة تستدعي الشفقة و دون استطاعة من أي مختص فهم حالته المرضية، مما زاده التزاما للبيت و الجلوس إلى حاله لا يفكر إلا فيما لا يفهمه من أسئلة شائعة و كبيرة.

لم يكن هذا الفرد معنيا بدهاب و مجيء من حوله و لا يعبأ بهم على الإطلاق، فمفهومه للعلافات أن تبنى بنية ووضوح، و لا يرى إلا الخير في من دعاه لحاجة دونما تمحيص أو تردد و من أغرب الأمثلة يوم كان مطروح الفراش مريضا لا يستطيع حراكا إلا بعسر. اد يدخل عليه أخويه الدان يكبرانه و كلهم هرولة فدعواه إلى الخروج معهم في مهمة جد خطيرة برأيهما و مصيرية لمجموعتهم كما يشيع عند الصغار أصحاب سنهم فلم يتحرك ببنت شفة و لا بعدما طرحوا عليه الموضوع. كان بباب المنزل جار لهم في سنه ، قوي البنية سمين و متعجرف يريد الشجار بدون سبب سوى لأنه علم بمرض علي. و ما إن سمع علي بالأمر حتى قفز من سريره ووقف إلى جنب دلك المتعجرف و أخد يتبين منحى الخلاصة من تصميمه و ما إن تأكد حتى لكمه واحدة لا سواها أردت الغريب أرصا و ظنه أصحابه مغما عليه فخافوا على صاحب البدن القوي من الهزيل الذي لم يمهلهم إلى أن يطمئنوا على نتيجة المبارزة حتى عاد إلى فراشه دون كلمة و لا تأوه.

هكدا كان هو سريع الاستجابة لحاجة من قصده ومع دلك عرف الكدب مبكرا حين أنكر تورطه في حريق أشعله عن غير قصد و قامت الدنيا على من تسبب في الأمر، فضرب جراء الحادثة جميع الأطفال الاه، فاستغرب مع أن هنالك من رآه و وشى به حتى يأخد نصيبه من العقاب، فما صدق الكبار إلا براءة علي، مما أثار حياءه و قيد لسانه على تصحيح موقفهم، فرأى الصمت و كانت تلك كدبته التي لم يستطع نسيانها.

لا يحب الكدب و لا الكدابين و يمقتهم، لأنه يدرك الضعف الذي يستدعي هذا الخلق السيئ من الإنسان. و قد يكون أحد الأسباب الرئيسية في انزوائه مبكرا و انعزاله عن الناس فيسير طريقه الطويل إلى المدرسة التي كان يزاول فيها دراسته الأولى وحيدا، رأسه مطأطأ و خطاه متثاقلة إلى درجة أن جدته التي كانت تتقاطع معه عند عودتها من السوق فتحدث العائلة بأنها تجده نائما لا يدري أين يتوجه، فينزعج هو و يبرر صحوته بعدم تأخره على القسم فتبقى معادلة عند الجميع محيرة، فيمن قال صوابا ، فيضحك و يخبرهم بصدق جدته و صدقه.

واضح الحب الذي كان  ينعم به من كل الناس الذين يقربونه، فأساتذته مند ابتدائيته يفرحون به و يحملونه في مرات عديدة ليفتخروا به  أمام زملائه في أقسام تكبره، فيتحير و لا يدرك سبب تصرفهم هذا غير أنه هادئ و شديد الذكاء حين يتعلق الأمر بمسائل الرياضيات، فيفوز بعلبة الطباشير التي كان يمنحها المعلم لمن يفك لغز المسألة أولا، و لم يكن علي يتردد في رفع التحدي و ما انهزم إلا في قليل المسائل.

يتبع



<<الصفحة الرئيسية